سليمان بن موسى الكلاعي
292
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
فذهب ليعود إلى الرومي ، فقال له قومه ، ننشدك الله ألا تتعرض لهذا العلج ، فقال : والله لأخرجن إليه فليقتلنى أو لأقتلنه ، فتركوه ، فخرج إليه . فلما دنا منه شد عليه وهو شديد الحنق ، فاضطربا بسيفيهما ، فضربه الأشتر على عاتقه ، فقطع ما عليه حتى خالط السيف رئته ، ووقعت ضربة الرومي على عاتق الأشتر ، فقطعت الدرع ثم انتهت ولم تضره شيئا ، ووقع الرومي ميتا ، وكبر المسلمون ، ثم حملوا على صف رجالة الروم ، فجعلوا يتنقضون ويرمون المسلمين وهم من فوق ، فما زالوا كذلك حتى أمسوا وحال بينهم الليل ، وباتوا ليلتهم يتحارسون . فلما أصبحوا أصبحت الأرض من الروم بلاقع ، فارتحل الأشتر منصرفا بأصحابه ، ومضى ميسرة في أثر القوم حتى بلغ مرج القبائل بناحية أنطاكية ، والمصيصة ، ثم انصرف راجعا ، وكان أبو عبيدة حين بلغه أنهم قد أدبروا أشفق عليهم وجزع وندم على إرساله إياهم ، قال : فإنه لجالس في أصحابه مستبطئا لقدومهم متأسفا على تسريحهم ، إذ أتى فبشر بقدوم الأشتر ، وجاء فحدثه بما كان من أمرهم ولقائهم ذلك الجيش ، وهزيمتهم إياه ، وما صنع الله لهم ، ولم يذكر مبارزة الرومي وقتله إياه حتى أخبره غيره ، وسأله عن ميسرة وأصحابه ، فأخبروه بالوجه الذي توجه فيه ، وأخبره أنه لم يمنعه من التوجه إلا الشفقة على أصحابه ، وألا يصابوا بعد ما ظفروا ، فقال : قد أحسنت ، وما أحب الآن أنك معهم ، ولوددت أنهم كانوا معكم . قال : فدعا ناسا من أهل حلب ، فقال : اطلبوا إلىّ إنسانا دليلا عالما بالطريق أجعل له جعلا عن أن يتبع آثار هذه الخيل التي بعثتها في طلب الروم حتى يلحقها ، ثم يأمرها بالانصراف إلىّ ساعة يلقاها ، فجاؤه بثلاثة رجال ، فقالوا : هؤلاء علماء بالطريق جراء عليها أدلاء بها ، وهم يخرجون في آثار خيلك حتى يأتوها بأمرك ، فكتب أبو عبيدة إلى ميسرة : أما بعد ، فإذا أتاك رسولي هذا فأقبل إلىّ حين تنظر في كتابي ، ولا تعرجن على شئ ، فإن سلامة رجل واحد من المسلمين أحب إلىّ من جميع أموال المشركين ، والسلام عليك . فأخذوا كتابه ، ثم خرجوا به ، فاستقبلوا ميسرة حين هبط من الدروب راجعا ، وقد عافاه الله وأصحابه وغنمهم وسلمهم ، فدفعوا إليه كتاب أبى عبيدة ، فلما قرأه قال : جزاه الله من وال على المسلمين خيرا ، ما أشفقه وأنصحه ، ثم أقبل الرسل فبشروا أبا